سهيلة عبد الباعث الترجمان

415

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ولما كان الفناء في الفلسفة الإشراقية قد أدى إلى القول بالاتحاد ، فإنه لدى صوفية وحدة الوجود غير ذلك . إذ أن الفهم الخاطئ للفناء أدى بالمنتقدين إلى القول بأن حالة الفناء تؤدي إلى الاتحاد مع اللّه أو حلول اللّه في العبد ، وهذا ما ينفيه الصوفي قولا وعملا ، فهو مثلا عند جلال الدين الرومي يقتضي الفناء عن الإرادة ، ويؤدي الفناء عنده إلى شهود الوحدة وإسقاط الكثرة لكن دون حلول أو اتحاد ، كذلك الحب الإلهي عند ابن الفارض وعند غيره من الصوفية أن يقترن بحال الفناء . ويصور الصوفية حالة الفناء هذه بأنها الحالة التي يغيب فيها الصوفي عن إدراكه لذاته لفنائه في المحبوب وهو اللّه ، ولا يعود في هذه الحالة يشعر بنفسه ولا بشيء من لوازمها ، وقد أشار الغزالي إلى ذلك فقال : وفي هذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحال فناء ، بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا يعدم شعوره بنفسه ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه « 1 » . وفي لغة علم النفس الحديث فإن للفناء معنى آخر ، وهو أن حالة الفناء هي الحالة الوجدانية التي يفقد فيها الشخص مؤقتا شعوره بالأنا ، وهي في اصطلاح الصوفية أيضا " عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها " « 2 » . ولهذا كله يمكن اعتبار حالة الفناء عند الصوفية حالا عارضا لا دوام له ولا استمرارية فيه لأنه لو دام لتعارض مع أدائه لفروض الشرع ، ذلك أن الشريعة والحقيقة وجهي التصوف الصحيح ولا يمكن تجاهلهما ، ولهذا نرى الكلاباذي يقول : وحالة الفناء لا تكون على الدوام ، لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركاتها في أمور معاشها ومعادها « 3 » .

--> ( 1 ) الغزالي ، مشكاة الأنوار ، تحقيق أبو العلا عفيفي ، الدار القومية للطباعة ، مصر ، 1328 ه / 1964 م ، ص 41 . ( 2 ) الجيلي ( عبد الكريم ) ، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 49 . ( 3 ) الكلاباذي ، مصدر سابق ، ص 127 .